عندما قرر أحد البرامج الإذاعية أن يُخصص إحدى حلقاته لتكون مسابقة يختار من خلالها مذيعين جدداً، وردت للقائمين على البرنامج مئات المكالمات، التي أبدى أصحابها رغبة كبيرة، وثقة أيضاً، فى قدرتهم على القيام بمهمة المُذيع.
لكن ما جرى لاحقاً فى إطار تلك الحلقة كان مهزلة بحق، إذ تم منح الفرصة لكل متسابق لكى يتصل ويمارس دور المذيع لبعض الوقت، فتبين أن المتسابقين (كلهم وليس معظمهم) يتصورون أن عمل المذيع يقتصر على الإدلاء بالآراء وعرض الانطباعات الشخصية، أما مناط التميز، كما ظهر فى محاولاتهم، فكان القدرة على تلوين الصوت، أو البراعة فى استخدام «الإيفيهات».
ولذلك، فإنني لم أندهش أبداً حينما أخبرني صديق يعمل مسؤولاً فى إحدى القنوات الفضائية الخاصة أن قناته أرادت أن توظف مذيعين، فبثت إعلاناً على شاشتها، وهو الإعلان الذى تلقت على إثره أكثر من 13 ألف طلب.
وقد تساءل بدهشة عما إذا كان بمقدور إعلان واحد مماثل أن يشجع 13 ألفاً من الشباب والشابات على إرسال طلب توظيف، فى حال تعلق الأمر بوظائف أخرى؟.
والواقع أن هناك عوامل عديدة يمكن أن تفسر تزايد الرغبة فى العمل بتلك الوظيفة، وقد اعتقدت للوهلة الأولى أن تلك العوامل تنحصر فى مزايا الدخل، والنجومية، والبريق، الذى يرتبط بالعمل فى صناعة الإعلام، خصوصاً إذا كان هذا العمل أمام الكاميرا، لكن يبدو أن السبب الأكبر فى هذا الإقبال لا يخرج عن اعتقاد الراغبين فى سهولة الوظيفة، ومحدودية إطار الكفاءات الذى تتطلبه، على عكس المُفترض طبعاً.
ويرجع ذلك إلى أن قطاعاً كبيراً من برامج «التوك شو» المسائية الرائجة ينتهج نهجاً غير مهني، يلعب خلاله الإعلامي دور المُنظر وصاحب الرأي، بدلاً من أن يقوم بدوره الأساسي والجوهري والمطلوب.. أي أن ينقل لنا بأقصى قدر ممكن من الإحاطة والشمول والتوازن والدقة ما يقوله أصحاب المصالح والآراء المتباينة عن القضايا محل الاهتمام.
ففي معظم تلك البرامج المسائية الرائجة، والتي يُفترض أن تعالج الأحداث الجارية بمهنية، يتراجع الالتزام بمبادئ العمل الإعلامي بشكل متسارع، وبدلاً من استضافة المصادر المعنية والجديرة بالاعتبار للتعليق على القضايا والأحداث المهمة، يكتفى عدد كبير من وسائل الإعلام بمنح الفرصة للمذيعين لتعويض هذا الغياب، وهم بدورهم يجورون على هذه المساحة الخالية، وينتحلون أدوار المؤسسات وأصحاب الشأن من المسؤولين والمتخصصين.
وعندما يقع الخطأ- وهو يقع بانتظام واطراد- فإن الحساب يكون على اتجاه الرأي الذى قيل، ومدى توافقه مع رؤى القطاعات الغالبة من الجمهور والمؤسسات، وليس على التورط بإبداء الرأي من غير ذي صفة تمكنه من التصدي لهذه المهمة الصعبة.
تُعد تلك مشكلة كبيرة تضرب الإعلام المصري فى ركائزه الحيوية ونعانى من آثارها بشدة؛ إذ يفهم قطاع كبير من المذيعين أن المهمة الرئيسية لهم تنحصر فى الإدلاء بآرائهم الخاصة والتعبير عن مواقفهم الشخصية حيال ما يتصورون أنه يقع ضمن اهتمامات الجمهور من قضايا وأحداث، وهو أمر يمكن العمل على إصلاحه وتهذيبه، لكن الإشكال يتعاظم حين يكون هذا هو ظن الجمهور والأطراف المعنية بالصناعة وتنظيمها أيضاً.
إن انتهاج عدد كبير من مشاهير المذيعين نهجاً غير مهني فى أداء مهمتهم مسألة خطيرة بكل تأكيد، لكن المسألة الأكثر خطورة تكمن فى أن النزوع غير المهني فى أداء المذيع كثيراً ما يُترجم فى صورة عوائد أكبر من الشهرة والنفوذ لصالحه ولفائدة القناة التي يعمل على أثيرها. ومن الواضح أن ثمة علاقة طردية بين تهافت البُنى السياسية والاجتماعية والرياضية وانقطاعها عن التأثير والفاعلية من جانب، وبين صعود دور مذيع «التوك شو» المسائي، وتضاعف نفوذه من جانب آخر.
ويبدو أيضاً أنه كلما تراجعت السياسة ازدهر الأداء غير المهني لمذيع التليفزيون؛ إذ يُعوض الناس ما يفتقدونه فى المؤسسات السياسية والمجتمع المدني والمجال العام، بالجلوس مساء للاستماع إلى أطروحات وأفكار يلقيها مذيع مشهور عليهم من خلال منصته الدائمة.
يتناقض ذلك بطبيعة الحال مع القواعد المهنية التي تُلزم مقدمي برامج الأحداث الجارية بتجنب استغلال الشاشة لعرض آرائهم وخوض معاركهم وإملاء أوامرهم، إذ يجب عليهم أن يعرضوا قصصاً وأخباراً ووجهات نظر متباينة ومتوازنة على الناس، عبر استضافة المصادر المعنية. ولعلاج هذا القصور الواضح فى الحالة الإعلامية الراهنة ينبغي أن نعمل على الفصل بين دور المذيع وبين أدوار أصحاب الرأي والمتخصصين وذوى المصلحة، وأن نُغل أيدى بعض مقدمي البرامج عن استخدام منابر الإعلام فى معاركهم الخاصة، وفى ترويج مواقفهم السياسية والاجتماعية والرياضية، وأن نتوقف عن دعم تلك الممارسات غير المهنية، لنعيد لبرامج «التوك شو» وجهها المهني المطلوب والمُهم.
المصدر: المصري اليوم
تنويه: المقالات المنشورة في تبويب “نبضاتهم” تمثل رأي كتّابها فقط وليس بالضرورة رأي موقع “نبض الشام”




